السيد محمد تقي المدرسي
70
من هدى القرآن
حاكمية الله الحي القيوم ، ولذلك تجد الآيات السابقة التي تحدثت عن رسالات الله أكدت قبل كل شيء ضرورة رفض الآلهة التي تعبد من دون الله ، والذي يعني : رفض الحاكميات البشرية والتسليم لحاكمية الله وعبادته سبحانه . ورفض أي نظام سياسي باطل لا يعني الفوضوية بل إقامة كيان سياسي صحيح مكانه ، ذلك هو كيان التوحيد القائم على رسالة بينة ينتفع بها المجتمع ، يؤمنون بها ويخضعون لها . قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فعليكم باتباعها ، تلك البينة هي رسالة الله ورسوله المطاع بإذنه . وبعد تثبيت دعائم السلطة السياسية السليمة ، أمر شعيب عليه السلام قومه بتصحيح مسيرة الاقتصاد ، وإصلاحه من اقتصاد قائم على أساس الاستغلال والاستثمار إلى اقتصاد قائم على أساس الوفاء بالحقوق ، وإعطاء كل ذي حق حقه بالكامل فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ حين يكون المجتمع رشيدا من الناحية الاقتصادية فإنه لا ينهب ولا يغش ، بل ولا يفحش في الربح أيضا أو يسعى كل طرف للحصول على المنفعة الأكبر ، وهذا هو التطلع الأرفع الذي يجب أن يهدفه المصلحون في حقل الاقتصاد أن يرى كل طرف منفعة الآخرين بمثل ما يرى منفعته فلا يبخس أحدا شيئا . وبعد النظام الاقتصادي ، يأتي دور الإصلاح في مجمل سلوك البشرية تجاه الأشياء والأشخاص ، ذلك الذي أكدت عليه رسالات السماء ، حيث أمرت بضرورة إيجاد علاقة الإصلاح بين الناس والطبيعة ، وبين الناس بعضهم مع بعض ، فلا يكون هدف المجتمع الانتفاع بالحياة فقط بل يكون هدفه : أولًا : تفجير طاقات الطبيعة لمصلحة الإنسانية ، وتنمية هذه الطاقات ، وتطويرها إلى الأفضل ، مثلًا : زراعة الأرض ، وصناعة المعادن ، وتعبيد الطرق ، وبناء الجسور ، وعمارة المدن ، والمحافظة على البيئة بكل أبعادها ، كالمحافظة على نقاء الهواء والطيور وأنواع الوحوش والدواب ، وأنواع الأسماك ، وبالتالي كل ما يصلح الأرض لا ما يفسدها . ثانياً : تنمية طاقات البشر ومواهبه ، والمجتمع الراشد يسعى من أجل دفع المستوى الخلقي لأبنائه والمستوى التعليمي ، ويربي المزيد من الكوادر المتقدمة في كافة الحقول ، إنه مجتمع يربي القادة والمفكرين والمخترعين والأبطال ، ولا يكتفي بذلك بل ويسعى من أجل تعميم الحضارة على كل المجتمعات القريبة فيما يخص أبناءه ومساعدتهم على التقدم والنمو ، لذلك قال ربنا على لسان شعيب عليه السلام : وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وقد